الحجة
علّم بعد أن تأخذ أجرك، وليس قبله
رضا العايش استشاري تسويق، اشتغل مع أكثر من 40 قسم تسويق. هذه حجته في متى يجعلك التعليم أفضل في عملك، ومتى يجعلك تبدو أفضل فقط.
متى تبدأ بتعليم ما تعرفه؟ بعد أن يدفع لك الناس مقابل أن تعمله، وليس قبل ذلك. التعليم مستوى من مستويات الإتقان، وهو المستوى الذي يأتي بعد الأجر، ولا ينفع إلا بهذا الترتيب.
الخطأ هنا يأتي من ثلاث جهات. ناس يتعلمون شيئًا ثم يقدّمون عنه ورشة مباشرة. وناس يأخذون أجرًا على العمل نفسه منذ سنوات، ولم يعلّموه مرة، وتوقفوا عن التحسن وهم لا يعرفون. وفئة ثالثة تتفرج على الأولى، وتستنتج أن كل من يعلّم لا يعرف أن يعمل. الثلاثة يعاملون التعليم كمصدر دخل. وهو أيضًا أصعب اختبار لفهمك لعملك.
ما هي مستويات الإتقان الخمسة؟
الإتقان في أي مهارة، بالترتيب الذي رأيته يحصل، يمر بخمسة مستويات. تتعلمها، ثم تطبقها على نفسك، ثم تطبقها لغيرك مجانًا، ثم تأخذ عليها أجرًا، ثم تعلّمها. كل مستوى يعلّمك شيئًا لم يكن المستوى الذي قبله قادرًا عليه.
| المستوى | ماذا تعمل | ماذا يعلّمك |
|---|---|---|
| 1 · التعلّم | تشاهد، وتقرأ، وتتناقش مع أصدقائك وأهلك وزملائك | شكل الشيء، بقدر ما يوصلك الكلام مع غير الخبراء |
| 2 · التطبيق على نفسك | تختبره على عملك أنت | ماذا يحصل لمّا يقابل الواقع، مع حرية كاملة في تغيير التجربة |
| 3 · التطبيق لغيرك مجانًا | تعرضه على عدد قليل من الناس مقابل شهادة | العوائق في وضع شخص آخر: إقناعه، وأطره، وحالات لم تخطر لك |
| 4 · الأجر | تقدّمه لعملاء يدفعون | القليل، من جهة الإتقان. قريب جدًا من المستوى الثالث |
| 5 · التعليم | ورش، ودورات، وجلسات فردية | كل فجوة بين ما تعمله وما تستطيع شرحه |
المستوى لا يعلّمك شيئًا إلا إذا ترك لك المستوى الذي قبله مادة تشتغل عليها. التطبيق على نفسك يعطيك مساحة لتفشل بتكلفة قليلة وتغيّر التجربة. والتطبيق لغيرك يضيف ما لا تقابله وأنت وحدك. والأجر يضيف فاتورة.
لماذا يتوقف الأجر عن تحسينك؟
الأجر يتوقف عن تحسينك لأن العمل المدفوع يعاقب التجربة. لمّا يدفع لك عميل، تعمل ما نجح المرة الماضية، لأن التجربة الفاشلة صارت تكلفه هو مالًا، وتكلفك أنت موعدًا.
هذه ليست ملاحظتي وحدي. في 1993 نشر أندرس إريكسون وزميلان له دراسة عازفي الكمان التي خرجت منها لاحقًا فكرة العشرة آلاف ساعة. الدراسة تعدّ الخدمة المقدَّمة مقابل أجر عملًا، وتفصله عن التدريب. في العمل، كما كتبوا، يعتمد الناس على الطرق الراسخة بدل أن يستكشفوا طرقًا لا يعرفون موثوقيتها، وكلفة الأخطاء وتفويت المواعيد عالية عادةً، وهذا يثبّط التعلّم. وحكمهم على العمل كمكان للتعلم: «بعيد عن الأمثل».
ورجع إريكسون للفكرة في 2006. أغلب المهنيين، كما كتب، «يصلون إلى مستوى أداء مستقر ومتوسط، ثم يحافظون على هذا المستوى العادي بقية حياتهم المهنية». المهارات التي جاءتهم بالأجر تصير تلقائية، ولمّا يصير السلوك تلقائيًا، فإن الخبرة الإضافية وحدها لا ترفع مستوى الأداء. ومثاله على ذلك ربط الحذاء: الناس يجدون صعوبة في وصف كيف يربطونه. وهذه الصعوبة نفسها هي سبب نجاح التعليم.
ماذا يعمل التعليم ولا يعمله العمل مع العملاء؟
التعليم يجبرك على تسليم ما تعرفه، والتسليم يفشل بطرق لا يكشفها العمل مع العملاء أبدًا. العميل يدفع مقابل النتيجة. والمتعلّم يحاول أن يصل إليها بنفسه. يسأل، ويكشف الثغرات فيما قلته، ولمّا يجرّب لا يصل إلى ما تصل إليه، لأنك لم تسلّمه كل شيء. لم تخفِ شيئًا عن قصد. أنت لم تكن تعرف أنه موجود.
مايكل بولاني لخّص المشكلة في سطر واحد سنة 1966: «نحن نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». وقيس هذا لاحقًا. في رسالة دكتوراه في ستانفورد سنة 1990، طلبت إليزابيث نيوتن من أشخاص أن ينقروا إيقاع أغانٍ معروفة لمستمع، ثم يقدّروا هل عرف المستمع الأغنية. متوسط تقديراتهم كان النصف تقريبًا. والمستمعون عرفوا 3 أغانٍ من 120 نقرة، أي 2.5%.
وفي 2014 صُوِّر ثلاثة جراحين خبراء وهم يعلّمون إجراءً جراحيًا في مجرى التنفس، وقورن كلامهم بقائمة كاملة لخطوات الإجراء بناها ثلاثة جراحين آخرين. في المتوسط أسقطوا 51% من خطوات التنفيذ، و71% من خطوات المعرفة السريرية. المعرفة صارت تلقائية، والمعرفة التلقائية لا تظهر لمّا تشرح.
لهذا يعيد المعلّم البناء. تبسّط ما تعمله، وتكتبه خطوات، ثم عملية، ثم إطارًا. ثم تدفعك الأسئلة أبعد من كل ما احتاجه العمل يومًا، فتبحث عن أشياء لم تكن تحتاج أن تعرفها.
روسكو وتشي، وهما يدرسان التدريس الفردي، يسميان هذين الطريقين نقل المعرفة وبناء المعرفة. وخلصا إلى أن «المدرّسين من الأقران، حتى بعد تدريبهم، يركزون على إيصال المعرفة أكثر من تطويرها». والذي كان ينقلهم إلى البناء هو المتعلّم: لمّا يسأل سؤالًا يحتاج استنتاجًا، تصير ردود المدرّس أعمق، ويراجع تفكيره وهو يجيب.
تخيّل أنك تفهم استشفاء العضلات كما يفهمه أغلب من يتمرنون: العضلة تتمزق، ثم تأكل أنت وتنام، فتُبنى من جديد. هذا يكفي لتتمرن ولتساعد صديقًا. ثم تعلّمه. أحدهم يسأل أي طعام يغيّر الاستشفاء فعلًا، وآخر يسأل هل يختلف عند النساء، وثالث يسأل عن العمر. التمرين لم يحتج هذه الأجوبة يومًا، فتذهب وتبحث عنها، وتربطها بما رأيته ينجح من قبل. والمرة القادمة، تجيب عنها قبل أن يسألها أحد.
ماذا يحصل لمّا تعلّم مبكرًا؟
التعليم المبكر يفشل لأن الأسئلة لا تجد شيئًا تقع عليه. شخص يتعلم شيئًا من مقاطع وكتب ونقاشات، ثم يذهب مباشرة إلى ندوة على الإنترنت أو ورشة أو دورة. يتجاوز مستويين تُختبر فيهما المعرفة: التطبيق على نفسه، والتطبيق لغيره. ولمّا يسأله متعلّم سؤالًا صعبًا، لا توجد تجربة يربط بها الجواب. الجواب مقال آخر.
إذا كنت علّمت شيئًا قرأت عنه أول مرة هذه السنة، فغالبًا تتذكر السؤال الذي أجبت عنه بملخص، ثم بحثت عنه بعد ذلك.
أقوى حجة ضد هذا الكلام تأتي من المختبر. التعلّم بالتعليم ينجح. في دراسة لنيستويكو وزملائه سنة 2014، قرأ 56 طالبًا نصًا لمدة 10 دقائق. الذين قيل لهم إنهم سيعلّمونه تذكّروا منه أكثر، ورتّبوه أفضل، من الذين قيل لهم أن يتوقعوا اختبارًا. ولم يعلّم أحد منهم فعلًا. وتحليل كوباياشي سنة 2019 لـ 28 دراسة وجد أن التحضير للتعليم ينفع، والتعليم بعده ينفع أكثر، وأكثر ما ينفع هو التعليم التفاعلي. إذا قرأت هذا بسرعة، فهو يقول: علّم متى ما شئت.
اقرأ طريقة البحث، وستجده أضيق. في الدراسة المعتادة يتعلم الطلاب نصًا قصيرًا أو درسًا، في دقائق غالبًا، ثم يُختبرون فيه. التعليم ساعدهم أن يتذكروا ويفهموا ما تعلموه للتو. ولا واحدة من الدراسات وضعت التعليم في مقابل العمل نفسه، لهذا لا يمكن أن يُستنتج منها أنه يغني عنه. المبتدئ الذي يعلّم سيتذكر الكتاب أفضل، ولن يجد ما يقوله لمّا يكون السؤال عن عميل.
وأشهر رقم في الموضوع لا يصمد حتى أمام هذا القدر من القراءة. عند البحث في قوقل من السعودية يوم 3 أكتوبر 2026 عن "does teaching help you learn better"، كان أول سؤال مقترح: "How to retain 90% of what you learn?". الرقم مصدره هرم التعلّم، الذي يقول إننا نحتفظ بـ 90% مما نعلّمه لغيرنا. ليترود ردّ عليه سنة 2012، وفي 2018 انتهى هو وهيرنس إلى أن هذه النماذج لم تنشأ من بحث تجريبي.
ماذا يضيف كتاب «الإتقان» لروبرت غرين؟
كتاب «الإتقان» لروبرت غرين، الصادر سنة 2012، يصف الإتقان من جهة المتدرّب. يقسمه إلى ثلاث مراحل: «الأولى هي التدرّب، والثانية هي المرحلة الإبداعية النشطة، والثالثة هي الإتقان». في مرحلة التدرّب تتعلم كما تعلّم المتدربون دائمًا، بمراقبة المعلّمين وتقليدهم بأقرب صورة ممكنة، لأننا كما يقول نتعلم أفضل بالممارسة والتكرار. ولا ينقلك غرين إلى التجريب إلا لمّا تزيد مهارتك وثقتك. هذه مستوياتي الثلاثة الأولى بمفردات مختلفة.
أرقام غرين تمتد من 10,000 ساعة، يقدّرها بسبع إلى عشر سنوات، أي مدة التدرّب التقليدي تقريبًا، إلى «20,000 ساعة وما بعدها» للإتقان. وحتى العشرة آلاف رقم ضعيف. في دراسة الكمان كانت تقريبًا متوسط ما جمعته المجموعة الأفضل حتى عمر 20، وفي 2016 كتب إريكسون وروبرت بول أن نصف هؤلاء العازفين العشرة لم يصلوا إليها، وأنه «لا يوجد شيء خاص أو سحري في العشرة آلاف ساعة». وكتاب مالكوم غلادويل «Outliers» سنة 2008 هو الذي حوّل المتوسط إلى قاعدة.
غرين لا يجعل التعليم مرحلة من مراحله. وحين يظهر التعليم في كتابه، يأتي بعد الإتقان، كطريقة لردّ الجميل للمعلّم. أقرب ما يصل إليه هو المرشد، ويصف العلاقة معه بأنها رابطة عاطفية في الاتجاهين. ويقول للمتدرّب أن يعطي مرشده ملاحظات على تعليمه، وربما يعدّل بعض أفكاره. كتب غرين هذا للمتدرّب. اقرأه من كرسي المرشد، وستجد المستوى الخامس.
أين يحصل التعليم لمّا لا يسميه أحد تعليمًا؟
أنفع تعليم أقدّمه كاستشاري تسويق لا يشبه التعليم. أقدّم ورش عمل، واشتغلت مع أكثر من 40 قسم تسويق، لكن المكان الذي أتعلم فيه أكثر هو أول محادثة مع عميل محتمل. أتعامل معها كجلسة فردية. أسأل، وأبحث عن الثغرات، لأعرف هل توجد فرصة. وأنتبه لما يؤمن به الناس، وللكلمات التي يستعملونها.
في إحدى هذه المحادثات، عن العلامة الشخصية، ظهرت قناعة لم أكن حسبت حسابها. الشخص كان خائفًا من أن يقول شيئًا غبيًا. وهذا الخوف كان السبب الذي سيمنع الاستراتيجية كلها من أن تُستعمل. دخلت هذه القناعة لاحقًا في مقال عن العلامة الشخصية للمؤسس بصيغة الخوف من قول شيء خاطئ أمام الناس، وغيّرت ما أقوله اليوم. لمّا يحمل أحدهم هذا الخوف، أقول له إن أول شيء يمكن أن يكون تسجيلًا أو نصًا مكتوبًا، يُعدَّل قبل أن يراه أحد، وليس شيئًا مباشرًا. أو يظهر أولًا في محتوى شخص آخر قبل أن يصنع محتواه.
أليس التعليم ما يعمله من لا يستطيع العمل؟
فكرة أن الناس يعلّمون لأنهم لا يستطيعون العمل قديمة لدرجة أن لها مؤلفًا. في 1903 وضعها جورج برنارد شو على لسان إحدى شخصياته، الثائر جون تانر: «من يستطيع، يعمل. ومن لا يستطيع، يعلّم». وفي أقوى صورها تصف شيئًا رأيته بنفسي: ناس دخلهم الأساسي من تعليم شيء لا يجيدون عمله. التعليم يدفع أسرع من الممارسة، وغرفة مليئة بالمبتدئين نادرًا ما تسأل سؤالًا لا يجيب عنه كتاب.
وللتعليم جاذبية لا علاقة لها بالإتقان. يبني المصداقية والانتشار، ويبدأ الناس في معرفتك. هذه فائدة حقيقية، وهي بالضبط الفائدة التي تغري الناس بأن يعلّموا قبل أن يعملوا. ولا أملك علاجًا لهذا الإغراء.
ما يخطئ فيه الاعتراض هو الاختبار. الناس يعلّمون لأسباب مختلفة: لينقلوا خبرة عندهم، أو ليصلوا إلى مستوى إتقان ليس عندهم بعد، أو ليعرفهم الناس. ومن مقاعد الحضور، الثلاثة تبدو واحدة. وبعد حكمة شو المشهورة بحكمتين، وتحت العنوان نفسه، يقول دليل تانر: «النشاط هو الطريق الوحيد إلى المعرفة».
ماذا تعمل بهذا؟
إذا تعلمت شيئًا هذه السنة، طبّقه على نفسك أولًا، ثم لعدد قليل من الناس مجانًا، ثم بأجر. وإذا كنت تأخذ أجرًا على العمل نفسه منذ فترة، علّمه. اكتب كل سؤال لا تعرف جوابه، واعتبر القائمة الشيء التالي الذي تتعلمه.
متى تبدأ بتعليم ما تعرفه؟ لمّا يتوقف العمل عن تعليمك.